Robinson_Cruose_1719_1st_edition

لاشك أن التربية والتنشئة هي عصب التنوير..
وهو شيء بالتأكيد لم يكن خافياً على أوائل التنويريين في عصر التنوير الأوروبي..
ولذلك فإن معظم التنويريين قد كتبوا كثيراً عن التربية والتنشئة، وأهتموا بها، وألفوا كتباً تهتم بشكل خاص بهذا الموضوع المهم..
وهو ما خلق فيما بعد التغيير الكبير للمجتمع الأوروبي اللذي قام على أكتاف هؤلاء المفكرين العظام..
فجون جاك روسو صاحب ” العقد الإجتماعي” كان من أهم كتبه كتاب “إيميل” تربية الطفل من المهد إلى الرشد، وفيه يعزز روسو فكرة الحرية وإستقلال الفرد وجدوى العلم للنشء..
أما جون لوك أحد فلاسفة الكبار لعصر العقلانية فقد كان له كتاب مهم بإسم “أفكار عن التربية” يحث فيه على أن يعامل الأطفال كالكبار، كائنات عاقلة وحرة، وغير خاضعة للتوبيخ والتخويف المستمر.. ومن هنا كان للوك وروسو الأثر البالغ في تشكيل النظرية التعليمية الجديدة..

وخلال المئة العام القادمة من الثورة التربوية التي حملها التنويريين.. سيشهد المجتمع الأوروبي تحولاً خطيراً في تكوين الطفل الأوروبي ومن ثم الإنسان الأوروبي..

فتوقفت العائلات الأنجليزية الإستقراطية عن إستخدام سيور الجلد “التي كان يشد الطفل من كتفيه في أثناء تدرجه نحو المشي“.. وفطمت الرضاعة في وقت أبكر .. وتوقفت العائلات الإنجليزية والفرنسية على “تقميط” الأطفال، بل وصار تدريبهم على إستخدام المراحيض في وقت مبكر.. وهي علامات على التأكيد المتزايد للإستقلال..
المزيد من الإستقلالية ستظهر فيما بعد.. حق الطلاق .. إلغاء البكورية “حقوق إستثنائية للإبن الذكر الإبن”، إلغاء حق الآباء سجن أبنائهم، وأنشأ المشرعون الأوروبيون المجالس العائلية للإستماع إلى المنازعات بين الآباء والأبناء حتى سن العشرين.. ثم المساواة في الميراث بين الجنسين وتخفيض سن الرشد من 25 إلى 21 سنة..
إنتشرت أفكار التنويريين التربوية كالنار في الهشيم.. وتسربت أفكارهم إلى جميع نواحي الحياة، وقد بلغت هذه الأفكار ذروتها بظهور رواية “روبنسون كروزو” فقد كانت رواية دانييل ديفو التي كانت تدور عن حياة بحار أنعزل في جزيرة بعد تحطم سفينته، بمنزلة كتيب للتعليمات الأساسية عن كيفية تعلم الإنسان حماية نفسه وإعالتها، وكانت الرواية الأكثر مبيعاً في المستعمرات الأمريكية، فأصبح الإستقلال بفضلها فضيلة أساسية وعمل بطولي، بالإضافة إلى خطابات لورد تشيسترفيلد إلى إبنه، وكتاب جون جريجوري “إرث الأب لبناته” ..

*هذا البوست كتب بإقتباسات وإيحاء مباشر من كتاب “نشأة حقوق الإنسان” للكاتبة “لين هانت”..
** الصورة المصاحبة للبوست هي صفحة الغلاف لأول نسخة لرواية “روبنسون كروزو” التي نشرت لأول مرة سنة 1719 م..

يعمد البعض للتشويش على آراء الناس..
خاصة في ظل إختلاط المصطلحات والمفاهيم..
ومن هنا توجد الضرورة لإعادة الفهم وضبط المصطلحات..
ولذا نعيد ونكرر لكل ذي عقل حصيف..

secular-state

العلمانية” ليست دين له نصوص مقدسة يحتكم إليها العلمانيين..
ليس لها رسول أو نبي يقدّس كإله.. وليس لها صحابة معصومين وممنوعين من النقد..
وبالتأكيد لا يوجد “دار الإفتاء العلمانية” التي تتحكم في الخطاب العلماني وتصدر الفتاوي العلمانية..
العلمانية” ليست أيدولوجية.. فهناك العلماني الرأسمالي والعلماني الشيوعي والعلماني القومي والعلماني المسلم..
العلمانية” هو مصطلح سياسي يعني أن المشرّع من حقه مناقشة أي تشريع ينظّم دولته، أي أنه لا يوجد تشريع فوق سلطته بإعتباره مقدساً لا يجوز مناقشته، وهذا هو معنى مصطلح “فصل الدين عن الدولة”..
ومن هنا كان من الطبيعي أن تكون علمانية “ماليزيا” تختلف عن علمانية “فرنسا” التي تختلف عن علمانية “تونس”..
لأن ببساطة الشعب هو من يشكّل دولته في الدول العلمانية.. حسب هويته ودينه وعاداته وتقاليده.. مع الحفاظ على حقوق الأقليات في إعتناق دياناتهم والمحافظة على هويتهم وعاداتهم في معنى أعمق للدولة الحديثة..
ولذا يصبح من السطحية أن نقول “العلمانية هي سبب الحروب والقمع والدكتاتورية”..
فلا يمكن أن تلصق بالعلمانية أخطاء وشرور كل الأفكار البشرية بإعتبار أنها ليست أفكار إلهية فهي بالضرورة علمانية..!!
وإلا فهتلر علماني وستالين علماني وهولاكو علماني والمجرمين حول العالم كلهم علمانيين لأنهم لا يقتلون بإسم الدين !
فالعلمانية قد توجد في نظام ديمقراطي، وقد توجد في نظام ديكتاتوري، لأن العلمانية فعل “سلبي” ينزع القدسية فقط لما تسببه من كوارث ونزاعات.. ولكنه ليس فعل “إيجابي” بمعنى يحمي من أو يحرض على الحروب أو القمع أو الدكتاتورية..
وبشكل أكثر وضوح.. نعم.. يوجد ديكتاتور علماني.. ولكن ليست العلمانية هي سر ديكتاتوريته أو دمويته..
فلا توجد آيات علمانية تقول “قاتلوا الذين آمنوا بالله واليوم الآخر”، ولا يوجد لديها كتاب أحمر أو أخضر أو أزرق تستطيع أن تستمد منها أيدولوجيتها.. فهي ليست أيدولوجية كما قلنا وليست دين..
ولهذا تجد أن الدول العلمانية بوجود روافد كالمواطنة والعقد الإجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان تحقق المساواة بين المجتمع بما فيهم المؤمنين وتبني لهم دور عبادتهم وترعى مؤسساتهم الدينية لأن العلمانية ليست ضد الدين أبداً كما هو واضح، أما الدولة الثيوقراطية فهي قائمة على مبدأ اللامساواة في الأساس..

ولذلك يصبح من العبث أن تقنع شخصاً غير مؤمن بـالمساواة و”حق الإنسان في إختيار أفكاره وقناعاته وما يؤمن به” بالعلمانية .. فهو يرى بما لديه من نصوص إلهية مقدّسة أنه له الحق في فرض الأفكار على الآخريين، بل وقتلهم إن لم يؤمنوا بها، وبالتالي فهو يؤمن بأنه الحقيقة المطلقة وأنه الأصح رأياً وأنه هو القانون الأفضل..وللحديث بقية..

human-rights

أحكام الشريعة الإسلامية هي الأحكام المستمدة من القرآن والسنة وإجماع علماء الأمة، وهذا كلام أعتقد متفقين فيه كلنا ..
ما نبيش أناقش شن معناها إجماع علماء الأمة في أمة أصبحت عشرات الأمم والملل والنحل، وما نبيش أناقش من هم المخولون وما هي صلاحياتهم ومن يعينهم.. لنتجاوز الموضوع مؤقتاً..

1ـ حضر العبودية وشبه العبودية
( العبودية غير محرمة في الإسلام )

2ـ حظر التعذيب والعقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة
( قطع اليدين والجلد والصلب عقوبات قاسية ولا إنسانية )

3- حظر العنف بكافة أشكاله .
( جواز ضرب المرأة للتعزير من قبل الزوج : القرآن : (واللاتي تخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)
السنة :
عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع : ( اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذلك فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) . رواه مسلم ( 1218 ) .

4ـ الحق في المساواة بين المواطنين والمواطنات
( المرأة غير مساوية في الرجل في الشريعة في الشهادة والميراث والقوامة وحرية الزواج والطلاق وتولي المناصب بما فيها منصب رئاسة الدولة وهناك من يسوق الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة لعدم خروج المرأة من بيتها والقيادة والإختلاط والعمل وكلها بنصوص وأدلة من الكتاب والسنة)..

5ـ الحق في التعليم وإنفتاح مؤسسات التعليم على كافة التجارب الإنسانية.
ـ ضمان الحرية الأكاديمية والحق في تتبع المعرفة لذاتها.
( تحريم دراسة العلوم المنافية للعقيدة الإسلامية مثل نظرية داروين والإنفجار الكبير وغيرها من النظريات التي لا تتوافق مع الرؤية الإسلامية )

6ـ تكفل الدولة لكافة المواطنين والمواطنات الحق في التنقل وعدم جواز منع الإقامة أو التنقل أو فرض الإقامة الجبرية إلا بأمر قضائي، وحرية السفر ولا يكون المنع من السفر إلا بأمر قضائي.
( الأصل أن لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم لتوافر الأدلة من السنة على ذلك ومنها:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم, ولا يدخل عليها رجل إِلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج. فقال: اخرج معها” (البخاري 1763).
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم”(البخاري 1038، مسلم 1339).

7ـ الأفكار حرة طليقة وتضمن الدولة التعبير عنها .
( حرية التعبير غير مكفولة في الشريعة الإسلامية )

8ـ حرية التعبير والفكر والإبداع
( الموسيقى والفن والمسرح والرقص محرمان بأدلة شرعية كثيرة ).

9ـ حظر القذف والتشهير والتحريض على الكراهية والعنصرية والعنف وحظر التكفير .
( ………….)

10ـ لكل مواطن الحق في اختيار توجهاته السياسية وتضمن الدولة حق تشكيل الأحزاب السياسية والإنضمام إليها .
( هل تسمح الشريعة بتكوين والإنضمام إلى الأحزاب الليبرالية والعلمانية والشيوعية ؟؟ )

والآن .. ما الحل ؟؟؟ هل هناك حل ما لهذه المعضلة ؟؟ وهل تطلب منّا التخلي عن الشريعة الإسلامية ..!!

الحقيقة إن الحل شبه صعب لأن الشريعة الإسلامية لم يتم تجديدها منذ قفل باب الإجتهاد.. وما هو موجود من إجتهادات فقهية لا تواكب أدنى سقف في بنود الحريات والحقوق التي توصل لها الإنسان .. مع أن هناك إجتهادات فقهية حديثة للشريعة الإسلامية ترتقي بها لمصاف هذه الحقوق والحريات وهم أنطلقوا من قاعدة أن النص متغير وأن العقل مقدم على النقل وإعمال مبدأ التأويل ولكن المجددون شبه منبوذون من جل علماء ومذاهب الإسلام الحالية وليس لهم صوت.. في حين تسيد المشهد للمذاهب المتشددة والتفسيرات السابق ذكرها..

Image

” إن لم يكن لي حق إختيار ديني فكيف أكون حراً”

 من هذه الأساسية البسيطة ننطلق، هذا هو جوهر الحرية، فالدين يشكل نمط العيش الذي يحياه المرء في حياته كلّها ، حرية التفكير ، حرية إتخاذ القرار ، حرية التراجع ، حرية التعبير عن أفكاري التي تجول بخاطري ، إن لم يكن هذا هو جوهر الحرية فما هي الحرية أصلاً ..

يوم التدوين العريي عن الحق في حرية العقيدة خطوة ممتازة في مسار الحريات في محيط الدول الناطقة بالعربية، لا يخفى على أحد التغيرات السياسية والثقافية التي تشهدها بعض هذه الدول بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي، ثورات رفعت شعار الحرية .. الحرية من الظلم .. الحرية من القهر ، الحرية من تكميم الأفواه ..

المسار صعب وليس هين، ولكن خطوة خطوة، وبتوسع العقلانية في حياتنا اليومية سنجد أننا سنصبح نفكر بمنطقية، والمنطق يقول أن الإنسان ولد حراً ، حراً بأفكاره ، حراً بمعتقداته ، حراً بديانته ، الأهم أن يجمعنا الحب والخير والمساواة والإنسانية ، لا نؤذي أحداً ، لا نتجبر على أحد ، ولا نقصي أحداً ..

الإختلاف سنة الحياة ، ووجود تنوع الأفكار سيفيد أي شعب ، وأي دولة ، لكي تختار الأصلح والأنسب لها ، تنوع الأفكار ينضجها ويبلورها بشكل أفضل، ويدفعها للأمام، هذا هو ما يدفع لتطور المجتمعات سواء إجتماعياً أو إقتصادياً أو سياسياً ..

دائماً ما كان لي رأي أقوله في كل مكان ، السر في كل حضارة يكمن في توفر شيئين أثنين فقط ” حرية الإعتقاد ، الترجمة ” .. بهاذين الإثنين تنشأ الحضارة فحرية الإعتقاد تنشيء المساواة والسلم الإجتماعي والترجمة تحقق الثورة العلمية والثقافية ، وبهذا ترقى الأمم ..

سعيد أنني شاركت في هذا اليوم ..

 

tatarof

أفق أيها التيار المدني ..

لو كنت تظن أن الحرب بين المليشيات الإسلامية وبين القوى المدنية هي أن يصطف كل حشد في جانب ، والمليشات تقول الله أكبر رافعة علم القاعدة بينما القوى المدنية تقول أسلمي رافعة علم الإستقلال فأسمح لي بأن أخيب ظنك وأقول لك بأن هذا لن يحدث ، لو كنت تنتظر بأن يخرج قادة هذه المليشيات في مؤتمر صحفي لكي يقولوا ” إنتم أيها الليبيون في نظرنا كفرة ، ونحن لا نريد جيش ولا شرطة وهم بنظرنا أجهزة كافرة .. بلا بلا بلا ” فأسمح لي بأن أقول لكم أفيقوا من أحلامكم ، لأن هذا لن يحدث ، فالصراحة والمكاشفة ستكون أبعد مما تتوقعون، وسيكون عنوان اللعبة هو التسمي بمسميات أخرى ، فبينهم وبين أنفسهم سيقولون ..فلان الفلاني كافر ، ولكن أمامك سيقولون هذا أزلام ، بينهم وبين أنفسهم سيقولون جهاز الشرطة كافر ، ولكن أمامك سيقولون جهاز ممتليء باللجان الثورية ، سيحاولون إقصاء كل ما هو عكس تيارهم ، وسيكون إسم اللعبة ” العزل السياسي ” ..

 
أفق أيها التيار المتشدد ..

 
أفق من هذا الحلم المريض الذي يكبّلك ويدفعك للخلف ، ويجعلك تبرر القتل والكذب والمعاداة والخيانة ، ” تطبيق الشريعة الإسلامية ” ، عن أي شريعة تتحدث ، عن أي وهم ، تلوك هذه الكلمة، وأنت ليس لديك أي تصوّر واضح لهذه الدولة المشوهة التي تنادي بها ، ليس لديك أي أفكار عن ماذا تصبح هذه الدولة المسماة ليبيا في العالم الحديث ، هل تعتقد أننا منفصلون عن هذا المسار التاريخي لدول العالم ، أنك تعيش وسط 230 دولة مدنية وبضع دويلات دينية حالتها أقرب إلى المأسآة في كل جوانب حياتها ، أم أنه لا يوجد لديك سوى الخطاب الحماسي عن كيف سندمر الدول الكافرة بضربة واحدة ، صدقني لن ينتج عن هذا الصراع الذي تعتقد أنك ستنتصر فيه على كل العالم بما فيه أبناء بلدك سوى بلد مدمّر ، ديكتاتوري ، مليء بالخراب ، والقتل والكراهية ، ومع ذلك ، لا تطبق فيه الشريعة .. وهذا ليس توقعاً مني ، بل نتائج رأيناها في كل البلدان التي أنهجت هذا المسلك .
الحرب بدأت ، وعليك لكي تفهم ما يحدث أن تقرأ بين السطور ، لكن قبل ذلك عليك أن تفهم شيئاً واحداً فقط ، الثورة الليبية إنتهت للأبد .. وما بعد ذلك هو حرب وثورة أخرى ..

 

في إنتقال الدول العربية من دول الإستبداد والطغيان إلى دول الديمقراطية والحريات ، يتفقد المواطن الحر لأول مرّة آليات هذه الدولة الديمقراطية الجديدة التي تعد بالحرية والعدالة ، ويقارنها مع من سبقته من دول العالم الأول ، فيتعرف لأول مرة عن مفهوم الفصل بين السلطات الثلاثة ، والمحكمة الدستورية ، وحرية الصحافة ، ومؤسسات المجتمع المدني ، ولكنه يقف أمام منصب وجهة لا يجدها في هذا الدولة .. إنه ( منصب المفتي ) ..!!

وحين يعود المسلم إلى المرجعية الإسلامية لا يجد هذا المنصب موجوداً ، وليس له أي تأصيل إسلامي ، فالقاعدة الفقهية تقول لك : (  استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك ) ، و (اسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) ، فمن أين جاء منصب المفتي ؟ ، وما هو أصله التاريخي ؟

الحقيقة تقول أن أصل منصب المفتي بدأ في الدولة العثمانية ، ولم يكن موجوداً قبلها أبداً ، فحينما استقرت الأمور بالدولة العثمانية وجهت عنايتها الخاصة على تنظيم الفقه، فاتخذت المذهب الحنفي مذهباً رسمياً، وأنشأت محكمة عليا لتطبيق الفقه في أعمال الدولة ومراقبة أعمال القضاة، وأنشأت منصب المفتي الأكبر وجعلته من أرقى مناصب الدولة، وكان يلقب شاغله بشيخ الإسلام. ولم يعرف بالضبط متى أنشئ هذا المنصب في البلاد العثمانية، لكن المؤرخون مجمعون على أنه كان موجوداً في عهد السلطان سليمان القانوني الذي حكم من 1520-1561.

إذن لماذا هذه القدسية على منصب المفتي ! ، ولماذا يحارب كل من يكون ضده ، ولماذا أصبح وجود منصب المفتي في هيكلية الدولة المسلمة كأنه شيء ملزم ولا يمكن مناقشته ، هل من صالحنا في المستقبل وجود هذا المنصب الذي أستخدم سابقاً في أغراض سياسية ، ولا زال حتى اليوم يستخدم في هذه الأغراض ! ، ما الذي سيضر المشهد الإسلامي لو قمنا بإلغاء هذا المنصب المحدث وعدنا إلى فطرة الإسلام الأولى حين كانت لك الحرية في إستفتاء من تراه مناسباً ثم  يقول أستفت قلبك.. أترك الإجابة لكم


بعد دروس تاريخية قاسية تعلّم الإنسان الحديث الدرس ..

وهو أن السلطات المطلقة هي التي تصنع من الأشخاص  ما يسمى بالديكتاتور ، ولكي نصنع مجتمع حر لا يُمارس فيه الظلم  على أي أحد ، توصلوا إلى حل متميز ، وهو (تقسيم السلطات) وجعلها تراقب بعضها البعض .. لقد إنتهت الفكرة الأسطورية التي تسمى بـ (الحاكم العادل) للأبد ، فلا وجود لشيء أسمه حاكم عادل ، ولا ضمانات مع شخص يستطيع أن يفعل ما يشاء وفقاً لأهواءه البشرية ، ولا مزيد من المراهنات مع القدر والتاريخ مرة أخرى ..

في مصر الآن ، تدور هذه المعركة بالتحديد مع مرسي رئيس من جماعة الإخوان المسلمين ، الجماعة الثيوقراطية ، فالرئيس يحاول أن يعطي لنفسه صلاحيات وسلطات مطلقة ، ويقول لهم ثقوا بي ..! لن أصبح ديكتاتوراً ، وليس بهكذا تدار الأمور ، فرئيس يحمل سلطات ثلاث في يده .. تنفيذية وتشريعية وفوق قضائية .. سيصبح ديكتاتوراً ليس برغبته ، ولكن طبعاً لقوانين النفس البشرية ..

في ليبيا نجد حالات مشابهة لهذه السلطة المطلقة ، ولنأخذ مثال بسيط وهو أجهزة الأمن المتمثلة الآن في اللجنة الأمنية العليا والنواصي وما إلى ذلك ، والسؤال هو ، ما هي السلطة المراقبة والملجمة لسلطة رجل الأمن الآن ، رجل الأمن الآن يحس بسلطة مطلقة فهو يوقف ويعتقل ويحبس بدون أي مراقبة ، وهو ما يعطيه شعور بالقوة والزهو يحوله إلى ديكتاتور صغير يمارس ديكتاتوريته على المواطن الليبي في الشارع ، وهنا نفقد الإحساس بالعيش في دولة الحريات .. على هذا الجهاز أن يتم لجمه سواء بتفعيل القضاء الذي يحاسبه لو أخطأ ، ولجمه أيضاً بمؤسسات حقوق الإنسان ومراقبة سلوك رجل الأمن في ليبيا ، وزارة الداخلية لابد من لجم سلطاتها المطلقة في الشارع ..

خلل آخر في ليبيا وهو أننا لدينا ضعف واضح في السلطة القضائية للبلاد ، وكأنها لا تعامل كأنها سلطة ثالثة مستقلة توازي التشريعية ، أيضاً على السلطة التنفيذية أن لا تعين من قبل السلطة التشريعية حتى لا تحس أنها تحت رحمتها .. لابد أن يتم إنتخابها إنتخاب مباشر من الشعب .. لابد للسلطات الثلاثة أن تكون مستقلة تماماً وتراقب بعضها البعض ، الآن المليشيات تشكل ضغط على السلطة التشريعية ، لكن متى ينتهي هذا الضغط فالسلطة التشريعية ستتغول ..

الملخص هذه قاعدة دائمة وأبدية .. كل شخص يمتلك سلطة لابد أن يلجم ويحدد بسلطة فوقه تراقبه وتمنعه من أن يتصرف بدكتاتورية ، وقس هذه القاعدة من رئيس الجمهورية حتى رجل الأمن البسيط الموجود في الشارع ، السلطة المطلقة تصنع الديكتاتوريين ، نقطة إنتهى.