بعد دروس تاريخية قاسية تعلّم الإنسان الحديث الدرس ..

وهو أن السلطات المطلقة هي التي تصنع من الأشخاص  ما يسمى بالديكتاتور ، ولكي نصنع مجتمع حر لا يُمارس فيه الظلم  على أي أحد ، توصلوا إلى حل متميز ، وهو (تقسيم السلطات) وجعلها تراقب بعضها البعض .. لقد إنتهت الفكرة الأسطورية التي تسمى بـ (الحاكم العادل) للأبد ، فلا وجود لشيء أسمه حاكم عادل ، ولا ضمانات مع شخص يستطيع أن يفعل ما يشاء وفقاً لأهواءه البشرية ، ولا مزيد من المراهنات مع القدر والتاريخ مرة أخرى ..

في مصر الآن ، تدور هذه المعركة بالتحديد مع مرسي رئيس من جماعة الإخوان المسلمين ، الجماعة الثيوقراطية ، فالرئيس يحاول أن يعطي لنفسه صلاحيات وسلطات مطلقة ، ويقول لهم ثقوا بي ..! لن أصبح ديكتاتوراً ، وليس بهكذا تدار الأمور ، فرئيس يحمل سلطات ثلاث في يده .. تنفيذية وتشريعية وفوق قضائية .. سيصبح ديكتاتوراً ليس برغبته ، ولكن طبعاً لقوانين النفس البشرية ..

في ليبيا نجد حالات مشابهة لهذه السلطة المطلقة ، ولنأخذ مثال بسيط وهو أجهزة الأمن المتمثلة الآن في اللجنة الأمنية العليا والنواصي وما إلى ذلك ، والسؤال هو ، ما هي السلطة المراقبة والملجمة لسلطة رجل الأمن الآن ، رجل الأمن الآن يحس بسلطة مطلقة فهو يوقف ويعتقل ويحبس بدون أي مراقبة ، وهو ما يعطيه شعور بالقوة والزهو يحوله إلى ديكتاتور صغير يمارس ديكتاتوريته على المواطن الليبي في الشارع ، وهنا نفقد الإحساس بالعيش في دولة الحريات .. على هذا الجهاز أن يتم لجمه سواء بتفعيل القضاء الذي يحاسبه لو أخطأ ، ولجمه أيضاً بمؤسسات حقوق الإنسان ومراقبة سلوك رجل الأمن في ليبيا ، وزارة الداخلية لابد من لجم سلطاتها المطلقة في الشارع ..

خلل آخر في ليبيا وهو أننا لدينا ضعف واضح في السلطة القضائية للبلاد ، وكأنها لا تعامل كأنها سلطة ثالثة مستقلة توازي التشريعية ، أيضاً على السلطة التنفيذية أن لا تعين من قبل السلطة التشريعية حتى لا تحس أنها تحت رحمتها .. لابد أن يتم إنتخابها إنتخاب مباشر من الشعب .. لابد للسلطات الثلاثة أن تكون مستقلة تماماً وتراقب بعضها البعض ، الآن المليشيات تشكل ضغط على السلطة التشريعية ، لكن متى ينتهي هذا الضغط فالسلطة التشريعية ستتغول ..

الملخص هذه قاعدة دائمة وأبدية .. كل شخص يمتلك سلطة لابد أن يلجم ويحدد بسلطة فوقه تراقبه وتمنعه من أن يتصرف بدكتاتورية ، وقس هذه القاعدة من رئيس الجمهورية حتى رجل الأمن البسيط الموجود في الشارع ، السلطة المطلقة تصنع الديكتاتوريين ، نقطة إنتهى.

لعل أغلبكم الآن نسي أو تناسى قضية ( أحمد بو خذله المغتصب ) ، بعد هوجة الحديث عن القضية والإستنكار ، وبعد الهبة العاطفية التي نبرع فيها دون أي عمل أو حتى على الأقل تحليل القضية ومناقشة المشكلة ، ونقنع أنفسنا في الأغلب أنها حالة فردية ، ولا تعبر عن مشكلة حقيقية في هذا المجتمع الطاهر المحافظ المنزه عن الأخطاء ..

أولاً  لحل المشكلة علينا بالإعتراف بالمشكلة أولاً ، فالإعتراف بالمشكلة هو نصف الحل كما يقولون ، علينا أن نخرج من نغمة أننا شعب الله المحافظ ، وأننا ـ أي الشعب الليبي ـ شعب المليون حافظ ، وأنه لا يأتينا الباطل من أمامنا ولا من خلفنا ، وأن ما يحدث من أخطاء وإنحطاط أخلاقي هو في الأغلب أشياء موفدة من الخارج ، وذو أصول غير ليبية ، إن الملاحظ للمجتمع الليبي في العقد الأخير يوقن أننا نعاني من منظومة أخلاق متدهورة وفاسدة بشكل واضح، ويكفي القيام بجولة قصيرة في الشوارع والجامعات والأسواق المزدحمة لتصل لقناعة بأن منظومة الأخلاق منهارة تماماً مثلها مثل اي شي أخر..

هل عمركم شفتوا دعاية على الأخلاق في التلفزيون، دعاية على الصدق، على نبذ السرقة وتجريم التحرش والإغتصاب ..؟ من الواضح أن هذه القيم غائبة كلياً عن مجتمعنا ، ورغم كل المظاهر المحافظة والمتدينة للمجتمع الليبي إلا أنه يتضح إنه متدين تدين فارغ ، تدين يركز على جوانب ويغفل جوانب ، فأصبح حل زيادة الوازع الديني لدى الناس وسط إختزال خاطئ للدين وإهماله لقيم جوهرية وإنسانية ، أشبه بالنفخ في قربة مثقوبة ، وبات وجود حل جذري لمجتمع فيه تنوع بين المتدين واللا متدين مسألة ملحة ..

الحل ببساطة شديدة هو إعادة التربية الأخلاقية والقيم الأخلاقية إلى المجتمع الليبي عن طريق منهج علمي صارم، بعد أن غابت هذه القيم لسنوات، منهج علمي تتكاثف فيه جهود الخبراء النفسيين وعلماء الإجتماع ويشترك فيه الإعلام والمنظومة التعليمية  والنشأة في المدارس وحتى الدين المبني على المنهج السليم .. فلابد من تدمير هذا الجسم المشوه والذي يرتكز على  قيم أخرى في عالم موازي قوامها العيب والفضيحة .. ويهمل القيم الأخلاقية الأساسية التي تمتلكها معظم المجتمعات المتحضرة .

أعرف أن فيديو احمد بوخذله المغتصب مؤلم جداً ، كلنا تألمنا ، لكن الألم والسب لن يفيدنا بشيء، لابد من العمل ، ولابد من الإنضمام جماعات إلى مؤسسات حقوق المغتصبات وحقوق المرأة وكل المؤسسات الحقوقية، حتى يعلم الليبي والليبية أن هناك من يقف معه..  فيديو #احمدبوخذله_المغتصب ، وفيديو #الفيديو_الذي_أذهل_العالم يمثلان نقيضين هذا المجتمع، الرائع والحقير ، لا تفقدوا الأمل ولا تصمتوا عن الظلم لأن  كل ما يتطلبه الطغيان للوجود هو بقاء ذوي الضمير الحي صامتين .

 

الأخلاق هي في صميم كل نظام يمكن أن يكتب له أن يبقى..

“أنطون سعادة”

لوحة جبل سيناء للفنان إلجريكو

لوحة جبل سيناء للفنان إلجريكو

في الدين الإسلامي ، يخصّ الله نبي واحد في البشرية كلها للتحدث معه هو النبي ” موسى ” الذي لقب بكليم الله ، وهو يعتبر الإتصال الوحيد لله بعد ” آدم ” قبل أن ينزل الأرض حيث كان يكلمه مباشرة :{قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} . أما في المسيحية ، فقد أكّد على ذلك أيضاً بإعتبار أن موسى كلّم الله عبر ملاك وسيط ، أو مباشرة مع الله  : ” فقاد موسى الغنم إلى جبل سيناء.  وتجلى له ملاك الرب بلهيب نار وسط عليقة لا تحترق. وناداه الله من وسط العليقة قائلا” سفر الخروج 3 و ” فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى ” سفر الخروج 7 ، بل إن الله كتب له الوصايا العشر بيده .
وبإعتبار أن الدين المسيحي يؤمن بأن الله هو عيسى ، وعيسى هو الله ، إذن فإن الديانات الثلاثة كلها تؤمن بأن النبي الوحيد الذي كلّمه الله دون وسيط هو ( موسى ) نبي اليهود ، فلماذا ( موسى ) بالذات ! ، لماذا لم يرى الله ( خاتم المرسلين وسيد الخلق محمد ) ، ولماذا لم يتواصل معه المسايا .. نبي الله عيسى .. لماذا لم يتواصلوا معه إلا من خلال وسيط فقط ..
 وبينما لا يعطي لنا القرآن أي تفسير حول هذا التمييز ، يقول لنا كهنة الإنجيل أنه حصل على هذا اللقب لأنه أطاع الله ونفذ أوامره، فأستحق أن يَنعم بالحديث مع جلاله، لكن هذا كلام غير منطقي ، فمحمد وعيسى أيضاً أطاعوا الله ونفذوا أوامره ..
ولكن كما يبدو ، وكإستنتاج من قصة موسى الموجودة في القرآن والإنجيل ، فإن النبي ( موسى ) كان هو أكثر الأنبياء شكاً في وجود الله ، وأكثرهم تفكيراً وتأملاً ، لذلك خصّه الله بهذه الخاصية لكي يجعله يقطع الشّك باليقين ..
 وهناك يبرز سؤال مثير آخر ، ما هي اللغة التي كلّم الله بها موسى ، ما هي اللغة التي نطق بها الله في حدث إلهي لم ولن يتكرر ، وهنا تبرز نظريات عديدة في محاولة معرفة اللغة التي كان يتكلم بها موسى في ذلك الوقت ، ولكن معظم المحاولات جاءت للأسف فقط لكي يضيف كل شخص قداسة على لغته ، فالدكتور وسيم السيسي يقول في مقالة نشرت قبل مدة قصيرة في مقالة بعنوان ” اللغة التي تكلم بها الله ” في المصري اليوم أن  (( إن موسى ولد فى مصر، ونشأ فى مصر، وتثقف فى مصر، وتدرج فى مختلف الوظائف العسكرية، كما يحدثنا المؤرخ اليهودى «يوسيفوس فلافيوس» أن موسى كان ضابطاً فى الجيش المصرى، ولم ير فلسطين، وتوفى قبل أن تظهر العبرية إلى الوجود بأكثر من قرن، فلغته كانت ولا شك اللغة المصرية القديمة ، وبالتالى فقد كتب الله لموسى الوصايا العشر بالكتابة الهيروغليفية، أو النقش المقدس، كما يسميها اليونانيون، وهى حقاً لغة مقدسة وجب علينا أن نتعلمها لأنها اللغة الوحيدة التى نطق بها الله لأحد أنبيائه، وهو النبى موسى ))
من جهة أخرى يقول ( عبد المجيد العرابلي ) أن الله كلّم موسى باللغة العربية الفصحى ، وإن موسى قد تعلّم العربية عندما مكث في قرية ” مدين ” ، وهي القرية التي لاقا فيها بنتي ” شعيب ” ، وتزوج إحداهما ، {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } ، وقد كانوا من العرب ، ويقال أن الأنبياء من العرب خمسة هم : هود وصالح وإسماعيل وشعيب نبي مدين، ومحمد، لكن كما قلت ما زلت أجدها محاولات فقط لتقريب كل شخص فيهم للغة المقدسة التي تكلم بها الله إلى لغته .
وعدا موسى الذي تخاطب مع الله بشكل سمعي فقط ، فإنه لا أحد من الأنبياء قد رأى الله رؤيا العين أبداً ، وحتى في قصة ” الإسراء والمعراج ” فإن محمد لم يثبت عليه إنه رأى الله في تلك الرحلة ، أما موسى فإنه حينما طلب من الله أن يريه إياه ، فنزل الله على الجبل فأصبح الجبل كومة من التراب ولم يستطع موسى أن يراه {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}.
إذن جميع الأنبياء والمرسلين ـ بإستثناء موسى ـ كانوا يتلقون رسالتهم عن طريق وسيط ، وهذا الوسيط كان في كل مرّة هو الملاك ” جبريل ” ، ولم يُعرف أن كان الوسيط بين الله ورسله ملاك آخر ، فهو من أنزل على محمد الوحي ، وهو من تجسد للسيدة مريم وطمئنها ، وهو من كان شعلة النار لموسى ، وهو الذي أخبر نوح بأن يصنع السفينة ، وهو الذي تشكّل مع بعض الملائكة على هيئة رجال حسني لينزلوا في منزل لوط في قصة النبي لوط الشهيرة ..وهو كذلك الذي أهلكهم ..
 إذن الملاك ” جبريل ” هو ربّما أكثر شخصية محورية وهامة في سيرة الأنبياء، وهو يكاد يكون المفوّض الوحيد، وجهة الإتصال الوحيدة بين الله وبين أهم أفراد في بني البشر ” الأنبياء ” المكلفين بإرسال رسالة الله وتعاليمه إلى باقي البشر ، الجدير بالذكر ، أن جبريل هو أحد آخر أربعة كائنات ستموت قبل ( إسرافيل وميكائيل وملك الموت ” عزرائيل ” ..

* فصل من كتاب قيد الكتابة بعنوان : ( ما لم يروى من قصص الأنبياء ) => تأملات فكرية في قصص الأنبياء من المنظور الإسلامي والمسيحي واليهودي .

** إلجريكو : أضغط ( هنا )  لمعرفة المزيد .

الآن وبشكل عاجل .. على الإخوان المسلمين تصحيح بعض المفاهيم وإتخاذ بعض الإجراءات التصحيحية لإنقاذ الوطن من الهجوم الظلامي المتخلف ، ومحاولة إعادة ليبيا إلى حظيرة الماضي وبقاءها متخلفة حضارياً .. الآن على حركة الإخوان المسلمين التحلّي بروح التضحية وحب ليبيا من أجل الإتحاد من أجل مشروع وطني نهضوي واحد نقف كلّنا ورائه ، ولذلك على الإخوان المسلمين القيام بشيئين مهمين :

1 – حل جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا ، وإنضواء جميع أفرادها إلى حزبهم ( حزب العدالة والبناء ) .. أسوة بما فعلت ( جبهة إنقاذ ليبيا ) .. وذلك لطمئنت الشعب الليبي من التنظيمات السرية ، حتى لو كانت جماعة الإخوان نواياها حسنة ، والتأكيد مجدداً على عدم التبعية للحركة الإخوانية في مصر ، وأنها ذات مشروع وطني بحث ..

2- إبراز قيادات الإخوان المتنورة ذو الفكر النهضوي والصورة المدنية .. مثل النايض وبو شاقور وغيرهم العديد من القيادات المتميزة التي يفخر بهم الوطن قبل الإخوان .. وإبعاد جميع أصحاب الفكر المتشدد وأصحاب المليشيات كآل الصلابي وغيرهم .. التخلي عن جميع الكتائب المسلحة .. والتأكيد على مبدأ مدنية الحزب .

لو أستطاع الإخوان تحقيق هاذين التصحيحين .. سأكون أول شخص ينظم لحزب العدالة والبناء لأني أعرف أن الفكرة النبيلة التي تؤرق الإخوان هو حضارة إسلامية كحضارة الأندلس في قديم الزمان .. وحلمنا جميعاً صدقوني هو النهضة .. لابد للجميع الآن أن يتحد وفق رؤية واحدة .. وضد الفكر المتخلف الذي بدأ ينتشر الآن ويفرض علينا التبعية ومكانك سر .. لكن تشتت القوى والصراعات ، هو من سيجعلنا لقمة سائغة لأي فكر أو أطماع ..

كثير من نشطاء الإنترنت في ليبيا ، والناس بشكل عام  يؤمنون بأن أي جهة حالياً لا تستطيع إغلاق أي مواقع فكرية أو سياسية أو إجتماعية كالفيس بوك مثلاً ، وإن الموضوع مقتصر عن المواقع الإباحية ، وسينتهي عند ذلك ، وأنا معهم حقيقة في هذا الرأي ، لكن الذي لا يعرفه الأغلبية أن الخطر لا يمكن هنا ، الخطر يمكن أن الحدث في حدّ ذاته هو بالفعل بالونة إختبار أطلقها من فعل هذه الفعلة لقياس ردّة فعل الناس ، وبالفعل هو مؤشّر نستطيع أن نقرأ منه جميعاً ما يمكن تمريره للناس ، أو منعه ، في حال أستطعنا تحويل هذا الشيء لشيء ” غير مرغوب فيه ” ، أما المؤشر الثاني في رأيي فهو مدى تنظيم نشطاء الإنترنت على ليبيا ، هل في مقدورهم فعل شيء حقاً ، أم أننا نبالغ في الخوف منهم .

5% فقط من يستخدم الإنترنت بشكل جدّي في ليبيا كلها ، والتلفزيون أشد تأثيراً بمراحل، وإن تمّ منع 1000 موقع فلا أعتقد أن الشعب الليبي سيلاحظ أصلاً ، ولكن في نفس الوقت هؤلاء الخمسة في المئة هم من يصنعون الحدث حقيقة ، وهم من ينقلونه لبقية الناس والتلفزيونات، وكل المصادر الإخبارية ، هذه حقيقة كذلك يجب عدم تجاهلها ، بعض النشطاء يتبنون فكرة ، فليقفلوا ما يشاؤون ، يوجد البروكسي ، وهي فكرة خاطئة ، لاحظوا أننا كنّا نستطيع أن نفتح ما نشاء في عهد الطاغية كذلك ، ولكن المواقع المحجوبة كانت لها رهبة شديدة ، وأغلب الشعب كان يتجنبّها ، ربّما أنت كأقلية مثقفة ستتحداهم وتفتح ، ولكن شعور الخوف عندما يتسلّل إلى العامة فأنه يميت ما ضحينا من أجله . الشجاعة .

صدقني لن أحدّثك عن الحرية ، ولن أقول لك حريّة الإختيار ، والوصاية على العقول ، وعدم الوصاية على الفكر ، لن أقول لك كلّ هذا ، بالتأكيد العديد من المدونين الذين سيشاركونني الكتابة في هذا اليوم سيتكلمون حول هذه المواضيع ، ولكني سأسألك سؤالاً واحداً فقط ، بنفس المنطق ، لماذا لم يتم منع التدخين مع أنه حرام شرعاً ..؟؟!! الجواب ببساطة لأن القوانين للأسف على مرّ التاريخ لا تطبّق إلا على الأقلية الصامتة ..

اليوم سأصمت، وستصمتون جميعاً ،  لأننا أقلية صامة ، لكنيّ كما قلت لكم ، من سيصمت مرّة ، سيصمت كلّ مرة، ويتحوّل إلى مجرّد أنعام ، يرى فتاة يتم سحلها وتقطيع ملابسها ، فيقول معلقاً ، هي إيه اللي نزّلها من البيت ، بل إنني أخشى الأسوأ ، أن نصمت أربعين سنة أخرى ، فقد فعلناها مرّة .. أليس كذلك ..!!

كثر اللغط في المدة الماضية حول الدستور الليبي ، وأهم هذا اللغط كان هو مصدر التشريع ، وكان سبب هذا اللغط هو أن بيان منسوب لهيئة كبار العلماء في ليبيا قد أعترض على فقرة -والشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع – ، وطالبوا بأن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع ، ( هنا تجد البيان ) وطالبوا بأن تكون هذه الفقرة غير قابلة للتعديل ، وللأبد ، ورغم أن الشعب الليبي شعب مسلم بالكامل ، وإسلامه معتدل ، إلا أن بعض التيارات تصر على أن ( الشعب الليبي ) هو شعب قاصر لا يفهم إسلامه بشكل صحيح ، ولابد من تقويمه ، وهي بذلك تحاول تمرير ديكتاتورية جديدة ( سلاحها هذه المرة الدين ) لكي تحكم من خلاله ، وتصبح قبضة الدولة في قلة متسترة بالدين ، بل وتصبح أي معارضة للدولة ( كفر ) تخرج على أثره من الملة ، وقد وضحت المدونة ( هناء قاباج ) هذا في تدوينتها ( دستور تفصيل وديمقراطية الثيوقراط ) ، ولكن نظراً لدسامة تدوينة هناء سأحاول أن أبسط الموضوع من خلال هذه التدوينة ..

أوكي ، ماذا نريد نحن الليبيون بكل بساطة ، نريد دولة مدنية مسلمة إسلامها وسطي محترمة ومتقدمة ، ويتوافر فيها سبل الرفاهية والنظام والعيش الرغد ، أعتقد أن هذا هو أقصى أمانينا ، و( ما فيش أحسن من هكي ) مثلما يقال ، تمام …. ما رأيكم في النموذج الإماراتي ..؟ ، أعتقد أن الإمارات من أكثر الدول التي يتطلع إليها الليبيين ، ويريدون أن تكون ليبيا مثل دولة الإمارات في الرفاهية وإحترام الإنسان والنظام وما إلى ذلك .. جميل جداً .. لنلقي نظرة على الدستور الإماراتي ::


تمام .. يعني الإمارات مثل دستورنا بالضبط ، فهل تحولت الإمارات إلى دولة علمانية ، هل فرطت الإمارات في عاداتها وتقاليدها ، بالعكس الشعب الإماراتي من أكثر شعوب العالم حفاظاً على تقاليده ، وطيبته ، وكرمه ، ويعتبر قدوة لكل العرب ، وأفضل ما فعلته هو وقوفها في جانبنا ، في محنتنا ، ومناصرة للشعب الليبي ..

طبعاً لا داعي لأن أحدثكم على إنبهاري وأنا أزور الموقع الخاص بمجلس وزراء دولة الإمارات ، موقع رائع ، ودولة بالفعل لها نظرة وهدف ، وهو أن تصبح من أكثر الدول المتقدمة على مستوى العالم .. هل لاحظتم أيقونة ( ملامح أستراتيجية حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة ) على اليسار—-> يمكنكم مطالعة هذه الإستراتيجية الرائعة على هذه الوصلة ( هنا ) .. وهل رأيتم أيقونة ( رؤية الإمارات 2021 ) .. أتمنى أن تكون لليبيا رؤية كذلك للمستقبل ، رؤيا توحدنا جميعاً ولا تنفرق بسبب خلافات تافهة .. لمطالعة رؤية الإمارات 2021 يمكنك الضغط على هذه الوصلة (هنا ) .

باه .. كويس .. لقد ألقينا في السطور الماضية نظرة على دولة عربية مسلمة تحترم عاداتها وتقاليدها كتبت في دستورها ( الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع ) ، لنلقي الآن نظرة على دول يكون مصدر التشريع الوحيد فيه هو الشريعة الإسلامية ، ونرى ، هل الخلل حقاً والمشكلة في الدستور ، وفي هذه الفقرة ، أم الخلل في البشر ، وهل لو غيرنا هذه الفقرة البسيطة سنصبح من أفضل دول العالم ، ومثال يحتدى به للإسلام ، أم أن الحال سيكون كما هو عليه ، إن لم يكن أسوأ ..

الحقيقة أن أشهر دولتين تبنتى هذا التشريع إن لم تكن الوحيدات هم ( السعودية ، وإيران ) .. لننحي إيران الآن جانباً ولنلقي نظرة على السعودية ..

جميل جداً .. لنلقي نظرة هنا …

أعتقد أن الامور واضحة هنا ، وما نبهنا عليه من إستغلال للدين من أجل الحكم التعسفي موجود في المادة 6 ، 7 من الدستور السعودي ، فالحكم يستمد سلطته من كتاب الله وسنته ، وأنت كمواطن عادي لن تستطيع الإعتراض ، لأنه لو أعترضت ، فستعترض على القرآن والسنة ..!! ولكن لنفترض أن كل شيء مكتوب بحسن نية ، ولنلقي نظرة على الأوضاع في المجتمع السعودي ، فماذا سنجد ..

* مشاكل أسرية كثيرة ، وضياع أسري ..

* إنتشار البطالة .. وإنتشار الفساد بين الشباب ..

* منع المرأة من القيادة والخروج وممارسة دورها الطبيعي في المجتمع .

* إستغلال الصلاحيات الإدارية ، وحتى الدينية ، وتهميش حرية الصحافة والتعبير ..

أوكي .. ربما أحدهم يقول لي ، لا يوجد مجتمع لا توجد فيه هذه الظواهر ، وما إلى ذلك ، والإنسان يخطئ ويصيب ، وكل هذه الأمور ، أوك .. ما رأيكم لو نقوم بمقارنة بسيطة بين السعودية والإمارات ، ولنرى أيهما متفوقة على الاخرى ، وأيهما تعتبر النموذج بالنسبة للأخرى ..

* في مؤشر الفساد العالمي ، والدول الأقل فساداً في العالم ( الإمارات تحتل الترتيب 35 عالميا ) ، ( السعودية تحتل الترتيب 80 ) .. وهذا هو ( المصدر ) .

* ترتيب الدول العربية حسب المعيشة الراقية – جودة الحياة – ( الإمارات هي الأفضل ) : وهذا هو ( المصدر ) .

* تصنيف دول العالم في العلم والإبتكار ( عربياً الإمارات في التصنيف الثاني ) ( السعودية لم تدخل التصنيف أصلاً ) .. وهذا هو ( المصدر ) .

* قائمة تصنيف دول العالم من حيث الإبداع الدولي ( الإمارات 14 عالمياً ) ، ( السعودية لم تدخل التصنيف أساسا ) .. وهذا هو ( المصدر ) .

أعتقد أن المقارنة واضحة أمامكم ، وليست بحاجة إلى تعليق ، فتقدم الأمم أو نجاحها ، لا تعتمد على حماسة جوفاء أو منظور ضيق للأمور ، والله حتى عندما بحثت على الدستورين ، وجدت فرق ، فالدستور الإماراتي موجود في موقع محترم ،وخطة واضحة، وأما الدستور السعودي ، فوجدته بصعوبة شديدة ، كأنه ليس له أي قيمة ، ولا ولكن قبل أن ننهي هذه التدوينة ، لنلقي نظرة بسيطة على المثال الثاني في دول ( الشريعة هي المصدر الوحيد ) ، وهي دولة ( إيران ) ، لنلقي نظرة جميعاً على الدستور الإيراني .. :

هذا هو أسوأ الأمثلة ، والتي نخشاها جميعاً في الدولة الليبية الجديدة … أن يقع الشعب في الفخ كما وقع فيه للأسف الشعب الإيراني :: أنظروا إلى الفقرة الأولى وماذا تقول :

نظام الحكم في إيران هو الجمهورية الإسلامية التي صوت عليها الشعب الإيراني بالإيجاب بأكثرية ، 98% ممن كان لهم حق التصويت ، خلال الاستفتاء العام الذي جرى في العاشر و الحادي عشر من شهر (فروردين) سنة الف و ثلاثمئة و ثمان و خمسين (1358)هجرية شمسية ، الموافق للأول و الثاني من جمادي الأولى سنة ألف و ثلاثمئة و تسع و تسعين (1399) هجرية قمرية .

و لقد شارك الشعب في هذا الاستفتاء العام انطلاقا ً من إيمانه الأصيل بحكومة القرآن العادلة الحقة ، و ذلك بعد ثورته الإسلامية المظفرة بقيادة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الإمام الخميني (قدس سره) .

وحتى هذا الوقت ، ما زال الشعب الإيراني مقموعاً ومقيد الحريات ، ولا يستطيع التكلم على الباطل ، ولا تصحيحه ، رغم ثورته الإسلامية المظفرة ، وأصبح المرجع الديني الكبير الإمام الخميني هو المتحكم في كل شيء ، ولا يمكن لأحد معارضته ، لأن أي معارضة تهمتها التكفير مباشرة ..


كلمة أخيرة : أيها الليبيون ، إن إسلامنا وسلوكنا الحضاري لابد أن ينبع من داخلنا ، ولم يكن أبداً الإكراه والحكم بإسم الدين هو الحل ، لذا ، فلنضرب نموذجاً لدولتنا الإسلامية الوسطية المتحضرة ، ولنصبح بالفعل خير أمة أخرجت للناس ، نعيش بخيرات بلادنا ، ونؤسس لدولة يحترمها العالم أجمع قوامها الاخلاق والعلم والمعرفة ، ولا نجعل أحد يستغلنا بإسم الدين ، ويعاملنا كالقصر يملي علينا فهمه الخاص لأمور ديننا ودنيانا ، وكما قال الله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) ، صدق الله العظيم .